( قصة قصيرة
)
بقلم
أحمد عبد اللطيف النجار
أديب مصري
(( قصة فتي مستهتر
، تحولت حياته إلي طريق آخر مختلف تمامًاً وندم علي عصيانه لأبيه بعد وفاته ، انقلبت
حياته إلي شيء مختلف كلياً ، انها بقعة ضوء في نهاية النفق المظلم لأي إنسان تبرهن
للجميع أن هناك دائماً أمل في رحمة الله .... وانك لا تهدى من أحببت والله يهدى من
يشاء من عباده .))
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
هناك نظرية في علم النفس تقول أنه لا يمكن أن يستمر الإنسان
علي حالة واحدة من طباعه وسلوكياته طوال عمره إلا من عصمه الله
.
بمعني أن الشخص الضائع المستهتر لا يستمر هكذا طوال حياته
، فربما يتعرض لموقف عصيب يهز كيانه ويحرّك في داخله ما كان خامداً من مكونات شصيته
الأصلية التي آثرت الانزواء في جانب بعيد من نفسه وركبها العناد وطيش الشباب
.
في المقابل قد ينقلب الشخص السوي إلي شخص غير سوى لظروف اجتماعية
قهرية فرضتها الأقدار عليه ، لهذا نقول دائماً في دعائنا : يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا
علي دينك يا رب ، ذلك أن القلوب متقلبة بطبيعتها .
قصة صاحبي ابراهيم ذلك الشاب المستهتر في بداية حياته والذي
أصبح قدوة ونموذج يُحتذى فيما بعد ، تُعتبر تجسيداً واقعياً وحياً لما يمكن أن يحدث
للإنسان إذا انفجرت من أعماقه فجأة إرادة التحدي لنفسه وظروفه التي فرضها علي نفسه
العنيدة .
ولنبدأ القصة من البداية ، يقول إبراهيم
:
عمري لا يتجاوز 40 سنة ، كنت أعيش في كنف أبي وأمثل بالنسبة
له خيبة الأمل الكبرى في حياته ، فقد كنت أكبر إخوتي وهم ثلاث شقيقات وأخ واحد
.
كان أبي موظف كبير بإحدى الهيئات الكبري بالقاهرة ، رجلاً
طيباً نقياً يضع كل آماله فيّ وفي إخوتي ، وكان يؤمن بأن الابن الأكبر إذا أحسنت تربيته
واستقام أمره فإن إخوته الأصغر منه سوف يقتدون به ويمضون في طريقه ، لذلك كان أبي متشدداً
في معاملته معي كي أتفوق دراسياً وأصبح مثلاً أعلي لإخوتي ، كما كان شديداً في تقويمي
وتعديل سلوكي ومراقبتي ليضمن حُسن تربيتي وكنت أنصاع له في بعض الأحيان وأخرج عن طاعته
في أوقات كثيرة !
استمر ذلك الوضع إلي أن بلغت مرحلة الثانوية العامة وبذل
معي أبي كل ما يستطيع من جهد لكي أتفوق وأحصل علي مجموع يؤهلني للالتحاق بإحدى كليات
القمة ، لكنب خيّبت أمله بكل أسف وتمردت علي القيود التي فرضها عليً ؛ فاختلست نقود
الدروس الخصوصية وأنفقتها مع رفقاء السوء وفي شرب السجائر والسهر مع الفتيات
!
ظهرت النتيجة وحصلت علي مجموع ضعيف والتحقت منتسباً لكلية
الحقوق ، واستسلم أبي للحزن وقتاً طويلاً وقاطعني لفترة لم يوّجه لي أي حديث أو كلام
، وراح يردد عبارة حسبي الله ونعم الوكيل ، وبدلاً من أن أشعر بأحزانه
الكبيرة ؛ ازددت سخطاً وتمرداً واستهتاراً ورسبت في السنة
الأولي بكلية الحقوق ولم يد يؤثر فيّ وجه أبي الحزين ولا دموعه وهو يصلي ويحتسب
!
مرت الأيام والشهور واستسلمت تمامً لأهواء نفسي وأصبحت عبئاً
علي الأسرة في مصروفاتي لحاجتي الدائمة للنقود لشراء السجائر والسهر مع أصدقاء السوء
ومطاردة الفتيات وتناول المحرّمات وشراء الملابس الغالية الثمن التي لا تحتملها ميزانية
الأسرة ، حتي أن أمي كانت تضطر للاقتراض كي تلبي طلباتي !
وكنت أطلب من إخوتي مصروفهم اليومي البسيط وكانوا يستجيبون
لي ويحرمون أنفسهم من أجلي خشية مني وخوفاً من الفضائح .
بعد فترة سعي أبي في إيجاد فرصة عمل لي بالثانوية العامة
وألحقني بوظيفة مؤقتة في الهيئة التي يعمل بها ، ورحبت بالعمل لكي أجد مورداً إضافيا
لنزواتي ، لكني كنت في عملي مستهتر للغاية وكثير الغياب وافتعال الأعذار للسهر إلي
الفجر يومياً حتي أن رئيسي في العمل أنذرني بالفصل أكثر من مرة ، وكان يتعجب لاختلاف
طباعي عن طباع أبي ، وكنت أواظب علي العمل لفترة ثم أعود وادعي التمارض ، ولولا تقدير
رئيسي في العمل لأبي لما أبقاني في العمل يوماً واحداً !
مرت الأيام والشهور وأنا في هذا الوضع ونجحت في السنة الأولي
بكلية الحقوق ثم رسبت في السنة الثانية ،
في حين نجح إخوتي في دراستهم وتقدموا ، وفي السنة الثالثة
من تعليمي الجامعي انتقل أبي إلي رحمة الله وهو جالس علي سجادة الصلاة يسبح ربه ويشكو
إليه همه بأكبر أولاده ، ولن أنسي ما حييت وجه أبي الحزين وأنا أودعه الوداع الأخير
، والله يا أخي لقد رأيت الدموع في عينيه !
لقد تزلزلت حياة الأسرة زلزالاً عنيفاً وتزلزل كياني كله
وشعرت بأن سكيناً حادة قد مزقت أحشائي ، يومها وقفت في سرادق العزاء أتلقي العزاء في
أبي وأنا غائب الذهن عن الجميع ، وصورة وجهه الحزين والدموع تملئ عينيه تلاحقني ويقتلني
الأسف والندم علي عدم طاعته !
كنت أسأل نفسي وقلبي ينفطر من الأسي : لماذا لم أسعد أيامه
في سنواته الأخيرة ؟!
ماذا جناه أبي لكي يلقي مني السخط والتمرد وهو الرجل الطيب
المكافح الذي كان يحرم نفسه ليعطي أولاده ؟!
لماذا لم أعتذر له وأقبّل يديه وقدميه وأرجو صفحه وعفوه ،
لماذا ، لماذا ؟!!
تواردت الأسئلة علي رأسي حتي كاد أن ينفجر
.
انتهت أيام العزاء وخلا البيت عليّ وعلي أمي وإخوتي ، سألتني
أمي : ماذا سنفعل في حملنا الثقيل ولم يعد لنا سوى معاش أبيك ؟!
ساعتها انفجرت في البكاء طويلاً ، وحين تمالكت نفسي قلت لأمي
:
أنني قد أحزنت أبي كثيراً وفي عنقي ديناً له واجب السداد
، ولسوف أسدده برعايتك ورعاية إخوتي بإذن الله .
ولسوف أبذل قصارى جهدي وطاقتي ليل نهار لتوفير متطلباتكم
وأرجو الله أن يسامحني والدي ويصفح عني وأن تسامحوني جميعاً ، ساعتها بكت أمي وكل أخوتي
وتعاهدنا جميعاِ علي ان نتكاتف ونتحد كما تتحد أفراخ الطير في حضن أمها لنستكمل رسالة
أبي ونسعده وهو في دار الحق ، وعقدت العزم علي ألا أخذل أمي كما فعلت مع أبي وخيّبت
أمله !
بدأت مرحلة جديدة من حياتي بمقاطعة شلة العبث والاستهتار
والجرى وراء الفتيات والسهر حتي مطلع الفجر ، وامتنعت نهائياً عن تناول المحرمات وشراء
السجائر المستوردة ، فخفضت معدل استهلاكي منها إلي الربع ، وكثيراً ما كان يراودني
إحساس بالندم وأنا أدخنها وأشعر أن إخوتي أحق بثمنها مني !
والتزمت في عملي بمواعيد الحضور والانصراف ، وأصبحت أكثر
جدية وإنتاجا ونشاطاً ، وبدأ رئيسي المباشر يعطيني الحوافز لأول مرة منذ بداية عملي
معه ، وكنت خلال تلك الفترة أحرص علي العودة للبيت وقت الظهيرة كل يوم لأطمئن علي عودة
إخوتي من مدارسهم ليتناولوا مع ومع أمي طعام الغداء ويستذكرون دروسهم في أمان
.
كانت أمي تضع في يدي أول كل شهر معاش أبي وتطلب مني
الإنفاق علي الأسرة لثقتها الكبيرة فيّ ، وكنت أضيف إلي المعاش
راتبي البسيط واستدعي أخوتي لأعطي كل منهم مصروفه بعد سداد إيجار الشقة وفاتورة الكهرباء
.
وقتها يا صاحبي شعرت بحجم العبء الكبير الذي كان يتحمله أبي
صامتاً في صبر وعزم كبير .
علي هذا النحو مضت حياتنا وشجعتني امي علي مواصلة المذاكرة
ووفقني الله في الحصول علي ليساس الحقوق ونجح كذلك وكل إخوتي ، وعرفت لأول مرة في حياتي
عبء دخول المدارس وشراء الملابس الجديدة لهم ، فكنت أرفض شراء أي ملابس جديدة لي وأخصّ
بها إخوتي كي أحافظ علي مظهرهم ، حتي أن حذائي أصبح بالياً ولم أفكر في شيء غيره ،
رغم كل شيء أنا راض عن نفسي وضميري مرتاح ، وذلك أحساس عظيم لم أكن اشعر به وأنا أضع
في جيب قميصي الفاخر علبة السجائر المستوردة الفاخرة والولاعة الذهبية وارتدي أرقي
الملابس !
مرت الايام ووفقني الله وقام رئيسي المباشر بنفسه بعمل إجراءات
تعييني في الهيئة بمؤهلي العالي ، وأصبحت ذراعه اليمني في العمل وأحب الموظفين لديه
.
وجاء اليوم الذي أجدني فيه أحث إخوتي علي المذاكرة وأتذكر
صورة أبي وهو يرجوني المواظبة علي مذاكرة دروسي وأنا ارفض طاعته ، ساعتها وجدت نفسي
أكرر مع إخوتي نفس كلماته دون أن أدري !
وفكرت في أن أحقق أمل أبي ، فتقدمت للدراسات العليا واجتهدت
كثيراً حتي حصلت علي الماجستير التي استغرقت مني عدة سنوات بسبب انشغالي بعملي وأسرتي
، رغم فقد انتهيت من أعداد الرسالة آخر الأمر وطبعتها وصدرت أوالي صفحاتها بهذا الإهداء
: إلي الرجل الذي لولا قضله عليّ حياً وميتاً لما نجحت في انجاز تلك الرسالة ، إلي
أبي العظيم الأستاذ ( .....) رحمه الله وأحسن جزاءه .
الحمد لله استطعت خلال عشرين عام من رحيل أبي عن الحياة أن
أرد بعض ديونه عليّ ، واستكملت رسالته حيث تخرج كل إخوتي
وعملوا وتزوجت شقيقاتي الثلاث زيجات سعيدة ناجحة بحمد الله ، وأعانني الله علي سترهن
، وأنا الآن استعد للحصول علي الدكتوراه ، وأصبح بيتنا يموج بأخواتي البنات وأطفالهن
الرضع والصغار وأزواجهم يوم الجمعة من كل أسبوع ، يجتمعون جميعاً حول ست الحبايب المكافحة
الصابرة ، وأكرمني الله وتزوجت من زميلتي في العمل وهي فتاة متدينة طيبة تصغرني بعشر
سنوات .
تلك هي قصتي يا صاحبي ، قصة فتي عابث عاد إلي وعيه واتزانه
بعد فوات الأوان !
أرجو أن يقرأها كل الشباب المستهتر ويتعلمون منها الدرس والعبرة
جيداً ، وأول وأهم درس هو ألا يتضايقون بحرص آبائهم عليهم ومطالبتهم بالالتزام والنجاح
لأنهم لا يستهدفون من ذلك إلا مصلحة هؤلاء الأبناء أنفسهم
.
المشكلة التي أواجهها حالياً هي أن صورة وجه أبي الحزين والدموع
تملأ عبنيه لا تفارق مخيلتي أبداً ، وضميري يؤنبني بشدة علي ما فعلته به في حياته الدنيا
واخشي أنا ما زال غير راض عني ، فماذا أفعل ؟!
&& لا تفعل شيئاً
يا صديقي ، فرؤيتك لوجه أبيك الحزين هي الدافع الغريزي لك كي تستمر في نجاحك وتقدمك
ومحاولة رد بعض الديون عليك لأبيك الراحل ، نعم ليتك تراه كل يوم ، بل كل لحظة ليستمر
فوران شخصيتك السوية وتطفو كل صفاتك النبيلة علي سطح حياتك
.
مبارك لك صديقي تحوّلك إلي إنسان جديد مختلف عن الشخصية المستهترة
العابثة ، وتلك هي منحة المحنة ، إنها تبرز فينا أصالة المعدن والجوهر النفيس الذي
كان ضائعاً تحت تأثير غواية شياطين الإنس من أصدقاء السوء ، فالمحنة التي تعرّضت لها
بوفاة والدك يرحمه الله كانت كالنار التي نصهر المعدن النفيس فتخلصه
من شوائبه وتجلو جوهره الأصيل ، وتلك هي أمانة المسئولية
التي حملتها علي كاهلك راضياً وفعلت فعل الرحال ، وكنت صادقاً في ندمك وفي عهدك لأمك
الصابرة بأن تتغير للأفضل ، وأن تسدد الدين الذي في رقبتك لوالدك الراحل ؛ فأثمرت شخصيتك
الايجابية وقدت سفينة الأسرة إلي مرفأ الأمان .
لقد توقفت طويلاً أمام ما رويته عن أنك كنت ترتدي قبل رحيل
أبيك فاخر الثياب وتدخن السجائر المستوردة ، ثم أصبحت بعد أن صهرتك نار المسئولية العائلية
تضن علي نفسك بالجديد من الثياب كي تحافظ علي مظهر إخوتك ، وتذكرت علي الفور ما فعله
خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ، من أنه كان قبل أن يلي الخلافة يحيا حياة
الأمراء المترفة وكان يهتم كثيراً بملبسه ، حتي أن كان يشترى الحلة أي الثوب بألف دينار
والقميص بأربعمائة ويهتم بعطره وعطر ثيابه ، فلما تولي الخلافة قام برد المظالم وبدأ
بنفسه فتنازل عن كل ما يملك لبيت المال ــ يعني وزارة المالية ــ واكتفي من متاع الدنيا
بما يسد رمقه وأصبح ثمن ثوبه غشرة دراهم فقط يعد أن كانت بألف دينار
!
وأنت يا صديقي فعلت مثله تماماً ، فصار همّك كله هو أن تكون
ذا همة عالية تقدّر المسئولية الكبيرة والدين الكبير في عنقك لوالدك الراحل
.
ومن أجمل ما عرفت وقرأت في تصوير المسئولية الأبوية ما رواه
الفقيه اللغوي الكبير إبراهيم بن إسحاق العربي الذي عاش في القرن الثالث الهجري ، وكيف
أنه كان لا يشكو إلي أمه وزوجته الحمي إذا أصابته وإنما يتحملها صامتاً لكيلا يزعجهن
بأمره ، وأنه كان به صداع برأسه ، فتحمله صابراً 45 عاماً لم يخبر به أحد ، بل وعاش
عشر سنوات من عمره بعين واحدة فقط بعد أن انطفأ نور العين الأخرى ولم يخبر بذك أحداً
من أهله !
تلك نماذج رائعة لجهاد النفس والصبر علي المكاره تداعت إلي
ذاكرتي بعد سماع قصتك .
اطمئن يا صاح ولسوف يزورك قريباً جداً ان شاء الله طيف والدك
الراحل وتدرك أنه عنك راض بعد أن كان لا يأتيك من قبل إلا عابثاً حزيناً ، وثق وتأكد
إنك قد نلت سعادة الدارين بإذن الله ببركة دعاء أمك وإخوتك لك واعتزازك بذكرى أبيك
واتخاذك له مثلك الأعلى .
هنيئاً لك ما سوف تمطرك به السماء من جوائز السعادة والتوفيق
والفلاح .
و......(رضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم
)) .
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
أحمد عبد اللطيف النجار
أديب ومفكر
مصري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق